أحمد بن محمد المقري التلمساني

152

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

وكتب المرواني المذكور إلى صاحب له يستعير منه دابّة يخرج عليها للفرجة والخلاعة : أنهض اللّه تعالى سيدي بأعباء المكارم ، إنّ هذا اليوم قد تبسّم أفقه ، بعد ما بكى ودقه « 1 » ، وصقلت أصداء أوراقه ، وفتّحت حدائق أحداقه « 2 » ، وقام نوره خطيبا على ساقه ، وفضّضت غدرانه ، وتوّجت أغصانه ، وبرزت شمسه من حجابها ، بعد ما تلفّعت بسحابها ، وتنبّه في أرجاء الروض أرج النسيم ، وعرف في وجهه « 3 » نضرة النعيم ، وقد دعا كلّ هذا ناظر أخيك إن أن يجيله في هذه المحاسن ، ويجدّد نظره في المنظر الذي هو غير مبتذل والماء الذي هو غير آسن « 4 » ، والفحص اليوم أحسن ما ملح ، وأبدع ما حرن فيه وجمح ، فجد لي بإعارة ما أنهض عليه لمشاهدته ويرفع عني خجل الابتذال ، بمناكب « 5 » الأنذال ، لا زلت نهّاضا بالآمال ، مسعفا بمراد كلّ خليل غير مقصّر ولا آل « 6 » . [ بين الأمير هشام بن عبد الرحمن وأخيه ] وكتب الأمير هشام بن عبد الرحمن إلى أخيه عبد اللّه المعروف بالبلنسي حين فرّ كتابا يقول في بعض فصوله : والعجب من فرارك دون أن ترى شيئا . فخاطبه بجواب يقول فيه : ولا تتعجّب من فراري دون أن أرى شيئا ؛ لأنني خفت أن أرى ما لا أقدر على الفرار بعده ، ولكن تعجب مني أن حصلت في يدك بعد ما أفلتّ منك . وقال له وزيره أحمد بن شعيب البلنسي : أليس من العار أن يبلغ بك الخور من هذا الصبي أن تجعل بينك وبينه البحر ، وتترك بلاد ملكك وملك أبيك ؟ فقال : ما أعرف ما تقول ، وكل ما وقي به إتلاف النفس ليس بعار ، بل هو محض العقل ، وأوّل ما ينظر الأديب في حفظ رأسه ، فإذا نظر في ذلك نظر فيما بعده . وقال عبد اللّه بن عبد العزيز الأموي ويعرف بالحجر « 7 » : [ البسيط ] اجعل لنا منك حظّا أيها القمر * فإنما حظّنا من وجهك النظر رآك ناس فقالوا إنّ ذا قمر * فقلت كفّوا فعندي منهما الخبر البدر ليس بغير النّصف بهجته * حتى الصباح وهذا كلّه قمر وقال أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن الناصر يرثي أبا مروان بن سراج : [ الطويل ]

--> ( 1 ) الودق : المطر . ( 2 ) في ب ، ه : « حدائقه » . ( 3 ) في ه : « وعرف في وجوهه » . ( 4 ) ماء آسن : متغيّر من ركودة أو مما خالطه . ( 5 ) في ب : « بمناكفة الأنذال » . ( 6 ) آل : مقصّر ، وهو اسم فاعل من ألا فلان يألو فهو آل . ( 7 ) انظر الجذوة : ص 244 .